في عام 2016، أعلنت المملكة العربية السعودية عن أكثر برامج التحول الوطني طموحاً في التاريخ الحديث. لم تكن رؤية 2030 إصلاحاً تدريجياً. كانت إعلاناً بأن أكبر اقتصاد نفطي في العالم سيعيد اختراع نفسه كدولة متنوعة ومبتكرة خلال جيل واحد. بعد تسع سنوات، يتحوّل الطموح إلى واقع مادي بحجم يتحدى السوابق: نيوم، مدينة ذكية بتكلفة خمسمائة مليار دولار. مشروع البحر الأحمر، الذي يعيد تعريف السياحة الفاخرة. بوابة الدرعية، التي تحوّل موقعاً تاريخياً إلى وجهة ثقافية عالمية.
لكن وراء كل مشروع مادي عملاق تحدٍّ للبنية التحتية الرقمية بحجم مماثل. نيوم وحدها تتطلب توائم رقمية وأنظمة نقل ذاتية وإدارة مباني ذكية وخدمات مواطنين ومنصات بيانات متكاملة. كل من هذه يحتاج واجهات مستخدم وتصميم خدمات وتجارب رقمية تضاهي طموح البيئات المادية التي تدعمها. وهنا تواجه صناعة التصميم حساباً: الدليل المعياري لا يكفي.
حجم الطلب الرقمي
الأرقام مذهلة. إنفاق التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية تجاوز خمسة عشر مليار دولار في 2025، مع توقعات بالوصول إلى خمسة وعشرين ملياراً بحلول 2028. الخدمات الحكومية الرقمية وحدها — عبر منصات مثل أبشر وتوكلنا والمنصة الوطنية الموحّدة — تخدم أكثر من ثلاثين مليون مستخدم. المنتجات الرقمية في القطاع الخاص تتكاثر عبر التقنية المالية والتقنية الصحية والتقنية التعليمية والترفيه والتجارة الإلكترونية بمعدلات تتجاوز معظم الأسواق العالمية.
هذا يخلق طلباً غير مسبوق على المواهب والخبرات التصميمية. لكن ليس أي تصميم. المنتجات المبنية لرؤية 2030 تقع عند تقاطع التقنية المتقدمة والهوية الثقافية العميقة. يجب أن تبدو مستقبلية وسعودية أصيلة في آنٍ واحد. يجب أن تخدم سكاناً من بين أصغر سكان العالم (ثلاثة وستون بالمائة تحت خمسة وثلاثين عاماً) وأكثرهم ذكاءً رقمياً (ثمانية وتسعون بالمائة انتشار للهواتف الذكية) مع احترام تقاليد تمتد لآلاف السنين.
الوكالات التي ستفوز بهذا العمل لن تكون الأكبر أو الأرخص. ستكون تلك التي تفهم كيف تصمم عند تقاطع الطموح والهوية.
ما تتطلبه منتجات رؤية 2030
التصميم التقليدي يبدأ باحتياجات المستخدم ويعمل نحو الخارج. منتجات رؤية 2030 تتطلب بُعداً إضافياً: يجب أن تجسّد التطلعات الوطنية. حين يتفاعل مستخدم سعودي مع خدمة حكومية رقمية، لا يُنجز مهمة فحسب. بل يختبر حداثة بلده. جودة تلك التجربة إما تعزز أو تقوّض سردية التحول الأوسع.
هذا يعني أن “جيد بما فيه الكفاية” ليس كافياً. معيار جودة المنتج الرقمي في السعودية يُحدَّد بالطموح المادي المحيط به. لا تستطيع بناء حي ترفيهي بمئتي مليار دولار وخدمته بتطبيق حجز متوسط. الطبقة الرقمية يجب أن تضاهي الوعد المادي.
عملياً، يُترجم هذا إلى عدة متطلبات تصميمية أكثر تطلباً من عمل المنتج المعتاد. الأداء يجب أن يكون لا عيب فيه — المستخدمون السعوديون لديهم توقعات عالية جداً للسرعة والموثوقية، جزئياً لأن بنية الجيل الخامس في البلاد من بين الأفضل في العالم. الجودة البصرية يجب أن تكون فاخرة — كما ناقشنا في مقالنا السابق عن الفخامة الرقمية، أسواق الخليج تربط التميز البصري بالمصداقية المؤسسية. والطبقة الثقافية يجب أن تكون أصيلة لا أدائية — المستخدمون يكتشفون فوراً ويرفضون “التعريب” السطحي الذي يفتقر للفهم الحقيقي.
التصميم لأغلبية الشباب السعودي
الملف الديموغرافي السعودي يشكّل منتجاته الرقمية بطرق يسهل الاستهانة بها. مع عمر وسيط يبلغ واحداً وثلاثين عاماً ومن أعلى معدلات تبني وسائل التواصل الاجتماعي في العالم، القاعدة المستخدمة الأساسية لمنتجات رؤية 2030 الرقمية شابة ومتعلمة ومتصلة عالمياً ومعتادة على أفضل التجارب الرقمية من المنصات الدولية.
هذا الجمهور لا يتسامح مطلقاً مع أنماط تصميم عتيقة أو أداء بطيء أو تجارب تبدو محلّية مقارنة بالتطبيقات الدولية التي يستخدمها يومياً. يقارن كل منتج رقمي سعودي ليس بمنتجات سعودية أخرى بل بسبوتيفاي وإنستجرام وأبل. المعيار التنافسي عالمي لا محلي.
في الوقت ذاته، يقود هذا الجيل نهضة ثقافية تحتضن الهوية السعودية بثقة لم تعبّر عنها الأجيال السابقة بهذا القدر من الانفتاح. يريدون منتجات تعكس هويتهم السعودية — لكن بعدسة معاصرة لا تقليدية. الجمالية التي يستجيبون لها ليست حنينية ولا زخرفية. بل تطلعية ونظيفة وواثقة — متجذرة في الوعي الثقافي لكنها معبّرة بلغة تصميم حديثة.
تحدي نظام التصميم ثنائي اللغة
كل منتج من منتجات رؤية 2030 يجب أن يعمل بسلاسة بالعربية والإنجليزية — وبشكل متزايد بلغات إضافية مع استقطاب المملكة لمقيمين وسياح وعمال دوليين. ليست هذه مشكلة تعريب بسيطة. إنها تحدٍّ معماري جوهري.
بناء نظام تصميم يحافظ على التماسك البصري عبر اتجاهي القراءة من اليمين واليسار، مع خطوط بوزن بصري وشخصية مكافئة في كلا النصين، ودعم محتوى قد يكون أطول بخمسين بالمائة في لغة عن الأخرى — هذا يتطلب هندسة تصميم لم تحاولها معظم الوكالات قط. النهج المعياري بتصميم بالإنجليزية ثم “القلب” للعربية يُنتج نتائج أدنى بشكل واضح. التجربة العربية تبدو كاعتبار ثانوي لأنها كانت كذلك فعلاً.
نبني أنظمة تصميم ثنائية اللغة من الصفر، مع مراعاة العربية والإنجليزية في آنٍ واحد من أول مكوّن. أنظمة الشبكة مصممة لاستيعاب اتجاهي النص بشكل أصيل. المكونات تُختبر في كلتا اللغتين قبل اعتمادها. واستراتيجية المحتوى تراعي الفروق في كثافة المعلومات بين العربية والإنجليزية من البداية، بدلاً من حشر محتوى مُترجَم في مساحات صُممت للغة مختلفة.
الفرصة والمسؤولية
أمام صناعة التصميم فرصة لا تتكرر في جيل في المملكة العربية السعودية. حجم الاستثمار وطموح الرؤية والتطور الرقمي للسكان تخلق طلباً على أعلى مستوى من عمل التصميم. لكن مع تلك الفرصة تأتي مسؤولية.
المنتجات التي نبنيها لرؤية 2030 ستشكّل كيف يختبر ملايين الأشخاص تحوّل بلدهم. ستؤثر في ما إذا كان المواطنون يفخرون ببنيتهم التحتية الرقمية أم يحبطون منها. ستحدد ما إذا كانت الطبقة الرقمية للمستقبل السعودي تضاهي الطموح المادي — أم تقصر عنه بشكل محرج.
ليس هذا عملاً لوكالات تعامل الخليج كسوق ثانوي أو تمرين تعريب. إنه عمل لفرق تفهم الرهانات وتحترم الثقافة ولديها القدرة على التسليم بالمستوى الذي تتطلبه اللحظة. المعيار ليس تصميماً جيداً. المعيار تصميم يضاهي أكثر برنامج تحول وطني طموحاً في التاريخ الحديث. ذلك معيار يستحق الارتقاء إليه.